فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.القراءات والوقوف:

قال النيسابوري:

.القراءات:

{توفته} و{استهوته} ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث {قل من ينجيكم} من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس. الباقون: بالتشديد {وخفية} بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد. الباقون: بالضم {أنجانا} ممالة: حمزة وعلي وخلف {أنجانا} بدون الإمالة: عاصم. الباقون {أنجيتنا} {قل الله ينجيكم} بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام. الباقون: بالتخفيف {بعضٍ انظر} وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان {ينسينك} بالتشديد: ابن عامر.

.الوقوف:

{حفظة} ط {لا يفرطون} o {الحق} ط {الحاسبين} o {وخفية} ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق لئن بمعنى القول في {تدعونه} أصح {الشاكرين} o {تشركون} o {بأس بعض} ط {يفقهون} o {وهو الحق} ط {بوكيل} o {مستقر} ط للإبتداء ب سوف على التهديد مع شدة اتصال المعنى {يعلمون} o {غيره} ج {الظالمين} o {يتقون} o {ولا شفيع} ط للشرط مع العطف {بما كسبوا} لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون {الذين} صفة {أولئك} وقوله: {لهم شراب} خبر {الهدى ائتنا} ج {هو الهدى} ط {العالمين} لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة {واتقوه} ط {تحشرون} o {بالحق} ط {فيكون} ط {في الصور} ط {والشهادة} ط {الخبير} o. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته.
وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى: {يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهورًا.
وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد، والثاني: أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى.
فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات.
والثالث: أنه قهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار.
وتمام تقريره في قوله: {قُلِ اللهم مالك الملك تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء} [آل عمران: 26].
وإذا عرفت منهج الكلام.
فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد، فالفوق ضده التحت، والماضي ضده المستقبل، والنور ضده الظلمة، والحياة ضدها الموت، والقدرة ضدها العجز.
وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرًا قادرًا قاهرًا منزهًا عن الضد والند، مقدسًا عن الشبيه والشكل.
كما قال: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} والرابع: أن هذا البدن مؤلف من الطبائع الأربع.
وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لابد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع.
فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى، كما قال: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} وأيضًا فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة.
ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة، وجعل كل واحد منهما مستكملًا بصاحبه منتفعًا بالآخر.
فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، والمعارف الإلهية، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع، كما قال: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} وأيضًا فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، ومكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض.
فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهرًا لعباده من هذه الجهة، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى، كما قال: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ}.
وأما قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى: {لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله} [الرعد: 11] وقوله: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] وقوله: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَامًا كاتبين} [الانفطار: 10، 11] واتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال.
ثم اختلفوا فمنهم من يقول: إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى: {مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها، فإن لم يتب كتب عليه.
والقول الأول: أقوى لأن قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} يفيد حفظة الكل من غير تخصيص.
والبحث الثاني: أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.
أما في الأقوال، فلقوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} وأما في الأعمال فلقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَامًا كاتبين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10- 12] فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها.
البحث الثالث: ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوهًا: الأول: أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح.
الثاني: يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن، أما وزن الصحائف فممكن.
الثالث: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد.
ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه:
الوجه الأول: قال المتأخرون منهم: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} تلك النفوس والقوى، فإنها هي التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها.
والوجه الثاني: وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا، وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادئ من عالم الأفلاك، وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادئ تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير.
والقول الثالث: النفس المتعلقة بهذا الجسد.
لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي أيضًا تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلًا والله أعلم. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة}.
تقدم الكلام في تفسير وهو القاهر فوق عباده.
قال هنا ابن عطية: {القاهر} أن أخذ صفة فعل أي مظهر القهر بالصواعق والرياح والعذاب، فيصح أن تجعل {فوق} ظرفية للجهة لأن هذه الأشياء إنما تعاهدها للعباد من فوقهم وإن أخذ {القاهر} صفة ذات بمعنى القدرة والاستيلاء ففوق لا يجوز أن يكون للجهة وإنما هو لعلو القدر والشأن، كما تقول: الياقوت فوق الحديد؛ انتهى.
وظاهر {ويرسل} أن يكون معطوفًا على {وهو القاهر} عطف جملة فعلية على جملة اسمية وهي من آثار القهر.
وجوز أبو البقاء أن تكون معطوفة على قوله: {يتوفاكم} وما بعده من الأفعال وأن يكون معطوفًا على {القاهر} التقدير وهو الذي يقهر ويرسل، وأن يكون حالًا على إضمار مبتدإ أي وهو يرسل وذو الحال إما الضمير في {القاهر} وإما الضمير في الظرف وهذا أضعف هذه الأعاريب، {وعليكم} ظاهره أنه متعلق بيرسل كقوله: {يرسل عليكما شواظ} ولفظة على مشعرة بالعلو والاستعلاء لتمكنهم منا جعلوا كان ذلك علينا ويحتمل أن يكون متعلقًا بحفظة أي ويرسل حفظة عليكم أي يحفظون عليكم أعمالكم، كما قال: {وإن عليكم لحافظين} كما تقول: حفظت عليك ما تعمل.
وجوّزوا أن يكون حالًا لأنه لو يتأخر لكان صفة أي حفظه كائنة عليكم أي مستولين عليكم و{حفظة} جمع حافظ وهو جمع منقاس لفاعل وصفًا مذكرًا صحيح اللام عاقلًا وقل فيما لا يعقل.
قال الزمخشري: أي ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون؛ انتهى.
وقال ابن عطية: المراد بذلك الملائكة الموكلون بكتب الأعمال؛ انتهى.
وما قالاه هو قول ابن عباس وظاهر الجمع أنه مقابل الجمع ولم تتعرض الآية لعدد ما على كل واحد ولا لما يحفظون عليه.
وعن ابن عباس: ملكان مع كل إنسان أحدهما عن يمينه للحسنات، والآخر عن شماله للسيئات وإذا عمل سيئة قال من على اليمين: انتظره لعله يتوب منها فإن لم يتب كتبت عليه.
وقيل: ملكان بالليل وملكان بالنهار أحدهما يكتب الخير والآخر يكتب الشر، فإذا مشى كان أحدهما بين يديه والآخر وراءه وإذا جلس فأحدهما عن يمينه والآخر عن شماله.
وقيل: خمسة من الملائكة اثنان بالليل واثنان بالنهار، وواحد لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا والمكتوب الحسنة والسيئة.
وقيل: الطاعات والمعاصي والمباحات.
وقيل: لا يطلعون إلا على القول والفعل لقوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ولقوله: {يعلمون ما تفعلون} وأما أعمال القلوب فعلمه لله تعالى.
وقيل: يطلعون عليها على الإجمال لا على التفصيل فإذا عقد سيئة خرجت من فيه ريح خبيثة أو حسنة خرجت ريح طيبة.
وقال الزمخشري فإن قلت: الله غني بعلمه عن كتب الكتبة فما فائدتها؟ قلت: فيها لطف للعباد لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم، والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد من السوء؛ انتهى.
وقوله: والملائكة الذين هم أشرف خلقه هو جار على مذهب المعتزلة في الملائكة، ولا تتعين هذه الفائدة إذ يحتمل أن تكون الفائدة فيها أن توزن صحائف الأعمال يوم القيامة لأن وزن الأعمال بمجردها لا يمكن، وهذه الفائدة جارية على مذهب أهل السنة، وأما المعتزلة فتأولوا الوزن والميزان ولا يشعر قوله: {حفظة} أن ذلك الحفظ بالكتابة كما فسروا بل قد قيل: هم الملائكة الذي قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» قاله قتادة والسدّي.
وقيل: يحفظون الإنسان من كل شيء حتى يأتي أجله. اهـ.